واشنطن تطالب بالكشف عن بيانات 25 ألف عميل بالبنوك السويسرية
السر المصرفي.. انهيار القصر الورقي
ما الذي جعل البنوك الإسلامية أكثر انتشاراً في أوروبا؟ هل تغيرت أوروبا، أم تغيرت وسائل التعامل الإسلامي مع العالم، أم أن الآليات الاقتصادية الإسلامية عندما جرى اختبارها تبين أنها بعيدة عن الشبهات والمخاطر؟ لكن كيف جعلت الأزمة المالية العالمية الأنظار معلقة بنجاحات حققتها البنوك الإسلامية بينما فشل العديد من الأنظمة البنكية الغربية؟ المسألة ليست تعصباً أعمى، وإنما حراك اقتصادي له مقوماته وقيمه وضوابطه تمكن خلال فترة بسيطة لأن يمنح الإسلام مكانة عالمية.
جاء الاتفاق الودي بين بنك ubs السويسري والسلطات الأمريكية بالكشف عن معلومات مصرفية؛ ليكون بمثابة الضربة الأكثر قوة في جدار السر المصرفي. ويتوقع أن تحمل الفترة المقبلة عنوان «الأسوأ لم يأت بعد»؛ فبعد أقل من 24 ساعة من صدور الاتفاق تم تقديم شكوى مدنية للكشف عن حسابات 52 ألف عميل أمريكي بالبنك بدعوى مكافحة التهرب الضريبي. ووقعت الحكومة السويسرية في مأزق بين الحفاظ على مصداقية السر المصرفي الذي يعد أهم ركائز نظامها المالي، وبين الضغوط التي تتعرض لها.
حالة من السخط والغضب عمت الأوساط المصرفية والسياسية في آن واحد بسويسرا بعد الاتفاق الذي أبرم بين بنك يو بي إس السويسري وسلطات العدل الأمريكية، الذي يقضي بكشف السر المصرفي. وينص على إلزام البنك بدفع 780 مليون دولار إلى الولايات المتحدة، كما يشترط الكشف الفوري عن هوية المساهمين الأمريكيين المتهمين بالتهرب الضريبي، الذين يزيد عددهم على 250 اسماً. واعتبر البعض أن هذا الاتفاق يعد شرخاً كبيراًً في جدار السر الصرفي ويمهد للقضاء عليه بالكليةً. وحذرت صحيفة «لو كوتيديان جوراسيان» من أن الأسوأ لم يحدث بعد، مشددة على أن السلطات الأمريكية تمسك بالسكين من قبضته ولن تتركه إلا بعد أن تجهز على ضحيتها بالكامل، في إشارة إلى أن واشنطن ستطالب بالكشف عن المزيد من الأسماء مستقبلاً. وبالفعل؛ فبعد إعلان الاتفاق بيوم واحد أعلنت وزارة العدل الأمريكية أنها تقدمت بشكوى ضد ذات البنك تطالبه بالكشف عن معلومات مصرفية تخص 52 ألف عميل أمريكي لهم حسابات سرية تقدر السندات والسيولة المودعة فيها بنحو 15 مليار دولار.
وقد شكك القانوني بيتر كونتس في قانونية الاتفاق الذي تم بدعم من لجنة المصارف السويسرية. وقال إنه يشك في سلامة الأسس القانونية التي تم الاستناد إليها في كشف هوية المودعين الأمريكيين حتى إنه يصعب التكهن بالحكم الذي سيصدر لو عرض الأمر برمته على القضاء. كما أن الحكومة السويسرية تسرعت في عقد هذا الاتفاق دون انتظار قرار المحكمة الإدارية الفيدرالية حول الاستئناف الذي تقدم به عملاء البنك الأمريكيون وهو ما اعتبره البعض تنفيذاً لعقوبة ضد من لم تثبت إدانته بعد.
قصر من ورق
وأعرب رئيس جمعية المصرفيين السويسرية عن أسفه لصدور مثل هذا الاتفاق، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لم تحترم الاتفاقيات الثنائية التي سبق توقيعها بين البلدين في مجال التعاون لمكافحة التهرب الضريبي، وأنها لجأت بدلاً من ذلك إلى أسلوب الضغط والتهديد.
وتحت عنوان «كلنا رهائن» جاءت افتتاحية صحيفة «لا ليبرتيه» الفرنسية، واصفة بنك يو بي إس بأنه سفاح. وتذكر أن البنك اغترف أموالاً طائلة من الميزانية الفيدرالية لمواحهة خسائره، إلا أنه لم يقنع بذلك، بل يعمل على تقويض نظام السر المصرفي. وذكرت الصحيفة أن النظام المالي السويسري أظهر ضعفه في تلك القضية، وواجه الانهيار كما لو كان قصراً من ورق، خاصة بعد أن أصبح الجميع رهائن للبنك المثير للجدل. واعتبرت الاتفاق الأخير بمثابة تحطيم لآمال الشعب السويسري الذي سبق أن رفض بأغلبية ساحقة مبادرة لإلغاء السر المصرفي في 1984، حيث يرونه بمثابة السبب الرئيس في ازدهارهم.
أما صحيفة Ľ AgefiT الاقتصادية فقد وصفت موقف الولايات المتحدة بالفضيحة؛ نظراً لتفضيل واشنطن استخدام القوة بديلاً من سيادة القانون. لكنها أضافت أن السر المصرفي لا يزال آمناً، إذ إن سابقة الكشف عن هوية العملاء تظهر أن النظام المالي القائم في سويسرا لا يحمي أي فرد من التهرب الضريبي.
وعلى الصعيد السياسي اعتبرت الأحزاب السويسرية على اختلاف توجهاتها أن الضغوط التي مارستها واشنطن على بلادهم غير مقبولة. واعتبر الحزب الراديكالي أن ما حدث صورة من صور سياسة الغاب، حيث تغليب القوة على منطق القانون. كما عبر الحزب الديمقراطي المسيحي عن صدمته للسرعة التي استجابت بها المؤسسات السويسرية للمطالب الأمريكية؛ ما ينسف مصداقية النظام المصرفي في البلاد. كما أكد الحزب الاشتراكي رفضه الضغوط الأمريكية، وطالب بالعمل على إلغاء التمييز بين الاحتيال والتهرب الضريبي وإلى تعزيز التعاون مع الدول الأجنبية في مكافحة التهرب فيما يخص المودعين الأجانب. أما المساهمون المحليون فقد طالب الحزب بضرورة حمايتهم محذراً من أن الاتفاق له انعكاسات سلبية خطيرة، حيث يعطي إشارة إلى أن سويسرا يمكن أن تخضع للابتزاز.
الربح.. وليس احترام الخصوصية
من جانبه لا يقتنع ريناي شفوك - الخبير بالمعهد الأوروبي للعلاقات الدولية التابع لجامعة جنيف - بالأسس الأخلاقية التي يرددها أنصار السر المصرفي من أنه ضروري للحفاظ على حرمة الحياة الشخصية. وقال إن الأمر لا يعدو كونه وسيلة لضمان زيادة الثروات والأرباح.
ويقول إن الاتفاق الذي أبرم بين الولايات المتحدة واليو بي إس يشكل خطراً كبيراً على السر المصرفي، حيث إن الطريقة التي يميز بها المشرع السويسري بين التحايل الضريبي والتهرب الضريبي لن تستمر لفترة طويلة حتى تتهاوى. ولعل الاتفاق الأخير يجعل لحظة تهاوي تلك القوانين أقرب من أي وقت مضى بحسب ما يؤكد شفوك.
ويتوقع أن تحافظ سويسرا على شكل من أشكال السرية المصرفية كما في العديد من الدول، لكنه يبقى شكلاً هشاً تكبله اللوائح. وعلى سبيل المثال فقد قدمت المفوضية الأوروبية في مقترحاتها التي قدمتها مؤخراً للدول الأعضاء فكرة الإبقاء على إمكانية الاحتفاظ بسرية البيانات المصرفية بالنسبة لرعايا بلد ما عندما يكونون في أي من الدول الأعضاء الأخرى. وترفع تلك السرية حال الاشتباه بحدوث تهرب ضريبي. ويشير إلى أنه منذ الاتفاق الضريبي بين سويسرا والاتحاد الأوروبي فإن أي مواطن من دول الاتحاد الأوروبي يقوم بإيداع أمواله في سويسرا يكون أمامه خياران: الأول هو الخصم المباشر بخصم 20 في المئة من فوائد ودائعه، يذهب جزء كبير منها إلى بلده الأصلي؛ والخيار الآخر أن يقبل الكشف عن بياناته المصرفية؛ فلا يحتاج آنذاك إلى الخصم الضريبي. والمفارقة أن 50 ألف مودع أوروبي آثروا في عام 2007 الكشف عن حساباتهم وتخلوا عن السرية المصرفية. وهذا يدحض ما ذهب إليه المؤيدون من أن السر المصرفي عامل تحفيز للمودعين للإقبال على البنوك السويسرية.
الاتحاد الأوروبي ينتظر دوره
وفيما يخص احتمال اتخاذ الاتحاد الأوروبي خطوة مماثلة لما قامت به واشنطن من تغليب القوة على التعاون القانوني، يرى الخبراء أن هذا مستبعد إلى حد كبير. وتختلف أنشطة اتحاد البنوك السويسرية (يو بي إس) في الولايات المتحدة عن أنشطة البنوك السويسرية في الاتحاد الأوروبي. كما أن هناك اتفاقا ثنائيا بين سويسرا والاتحاد الأوروبي ينظم جباية مدخرات مواطني الاتحاد الأوروبي في سويسرا التي تلتزم بهذا الاتفاق. ويجب أن يوضع في الاعتبار اختلاف الدول الأوروبية في الآراء إلى حد كبير، حيث إن هناك بعض الدول التي تقف مع سويسرا وتتمتع في الوقت ذاته بحق الفيتو داخل الاتحاد الذي لا يجب النظر إليه ككتلة واحدة متماهية ومنسجمة. وبشأن مستقبل النظام المصرفي السويسري حال سقوط السر المصرفي، يرى الخبير الاقتصادي لينو تيرليتسي أن هناك تطوراً كبيراً حدث في السر المصرفي، إذ استطاعت سويسرا التأقلم مع قوانين مكافحة تبييض الأموال بصورة كبيرة تفوق أحياناً العديد من الدول. ويعتبر أن السر المصرفي لا يعني التستر على الجريمة، بل إنه يعني السعي إلى حماية الخصوصية. ومن ثم يرى أن هذا النظام لن يندثر في المستقبل القريب على الأقل، مشيراً إلى أنه سيتم التوصل إلى صيغة مرضية.
وترجع فصول ذلك القرار إلى مايو الماضي عندما وجهت السلطات الأمريكية اتهامات لمسؤول أمريكي سابق بالبنك بالمشاركة في عمليات تهرب ضريبي. وفي يونيو اعترف بأنه ساعد الكثير من الأثرياء الأمريكيين على التهرب من الضرائب عن طريق إخفاء رؤوس أموال ضخمة في البنك، مشيراً إلى أن ما قام به أمر عادي بين مسؤولي البنك. وفي مطلع يوليو سمح القضاء الأمريكي لمصلحة الضرائب بمقاضاة البنك من أجل رفع السر المصرفي. ومن جانبه تخلى البنك عن حقه في الاعتراض على القرار والتزم الصمت. وقامت الحكومة السويسرية بإرسال وفد رفيع المستوى إلى واشنطن للتباحث حول الأمر. وكانت نتيجة تلك المباحثات صدور القرار محل الجدل. وحظي القرار بمباركة لجنة البنوك الفيدرالية في سويسرا، حيث أكد بين اللجنة أنها سمحت بتسليم قائمة محددة بأسماء مودعين أمريكيين في بنك يو بي إس إلى السلطات الأمريكية. وأشارت إلى أن هذا القرار جاء لتجنب الخسائر التي ستحيق بالبنك من جراء المتابعات القضائية في الولايات المتحدة، كما يضمن استقرار الأسواق المالية السويسرية.
75 سنة من السرية في مهب الريح
يشير نظام السر المصرفي إلى القيود المهنية التي تلزم البنوك وممثليها والعاملين بها بالحفاظ على سرية المتعاملين مع البنك أو المؤسسة المالية بشكل عام. وتلزم بالحفاظ على سرية أية معلومات يتطلب سير العمل المصرفي معرفتها من العميل، ولا يجوز كشف تلك المعلومات تحت أي بند. ويلتزم بالحفاظ على السرية المراقبون والخبراء التابعون للدولة والذين يقومون بأعمال معينة للبنك، حيث لا يسمح لهم بالكشف عن أية معلومات تعرض لهم. وتتيح القوانين تعزيز هذا النظام، حيث يتم تشريع قوانين تهدف في المقام الأول إلى عدم السماح بالكشف عن أية معلومات تخص العملاء. وقد وضع نظام السر المصرفي لحماية العملاء وليس حماية البنوك، ولهذا فمن الممكن للعميل أن يطلب من البنك رفع السرية عن حساباته بصورة طوعية.
ويندرج نظام السر المصرفي تحت القانون المدني، كما أن خصوصية العملاء تخضع لحماية العديد من مواد القانون السويسري مثل المادة 27 من القانون المدني وكذلك الأمر بالنسبة لقانون حماية البيانات.
ولا تقتصر السرية المهنية على البنوك فحسب، بل إنها تمتد لتشمل كافة المهن. وعلى هذا الأساس فإن نظام السرية يشمل الأطباء والمحامين والقضاة وغيرها من المهن التي يقدم فيها العملاء بيانات تخص حياتهم من مختلف الجوانب. واتسعت دائرة الحماية لتشمل المتعاملين مع أسواق المال كما في المادة 43 من القانون الفيدرالي السويسري لأسواق المال. وطبقاً لقانون البنوك فإن خرق السر المصرفي يعرض الشخص الذي يقوم بهذا الأمر للمساءلة، ومن ثم توقيع العقوبة المناسبة. وإذا قام أي شخص من داخل البنك بالكشف عن سرية العميل أو أي طرف ثالث فإنه يتعرض للسجن والغرامة، كما نصت على ذلك المادة 47 من القانون الفيدرالي للبنوك. يضاف إلى هذا أن القانون السويسري يضيق نطاق تقديم أية بيانات تخص العملاء أمام القضاء أو للسلطات التنفيذية.
ولا يقتصر تطبيق نظام السر المصرفي على سويسرا، وإن كانت الأكثر تشدداً في تطبيقه. ويوجد في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا وبريطانيا وحتى الولايات المتحدة نفسها إلا أن درجة تطبيقه تختلف تبعاً للنظام القضائي في تلك الدول. وقد تميز النظام المصرفي في سويسرا منذ نهاية القرن السادس عشر بقدر كبير من السرية والتحفظ إلا أن السر المصرفي لم يظهر في التشريعات السويسرية إلا ابتداءً من عام 1934. وقد جاء هذا النظام بعد الازدهار الكبير الذي شهدته الأوساط المالية في سويسرا؛ فبعد الحرب العالمية الأولى كان لسويسرا واحدة من أقوى العملات في العالم، إضافة إلى نظام سياسي مستقر؛ ما جعلها خزانة كبيرة لرؤوس المال الدولية. وقد ازدادت الثقة في النظام المصرفي السويسري بعد أن تم إقرار تطبيق السر المصرفي؛ ما أدى إلى تنامي توجه رأس المال صوب سويسرا. ويعتبر جون ماري موزي وزي المالية آنذاك من أبز مصممي السر المصرفي الذي تم إقراره بعد جهود وزير المالية المحافظ منذ عام 1920 لتبني مبدأ السر المصرفي المطلق. وكان يرى أن سويسرا لا يجب أن تلعب دور الشرطي فيما يتعلق بهروب رؤوس الأموال من دول أخرى.
وتوجد حالياً في النظام المصرفي السويسري عدة ضوابط قانونية لسرية البنوك. ويمكن في ظل تلك القيود رفع السرية عن بيانات العملاء ضد رغبتهم وذلك في بنود محددة ينص عليها القانون المدني، والقانون الإداري، وقانون الإفلاس، وقانون تحصيل الديون. ولا تخضع الجهة الرقابية - اللجنة المصرفية الفيدرالية - لقواعد السر المصرفي، حيث لم يعد نظام السرية مطلقاً في ظل تلك القيود.
وتسمح البنوك السويسرية بنظام «الحسابات المرقمة» وفيها يأخذ العميل رقماً يرتبط بحسابه بدلاً من اسمه. ولا يطالب البنك العميل بمعرفة الكثير عن هويته أو عن المالك الحقيقي المستفيد من هذا الحساب. وقد صدر مؤخراً بعض القوانين الخاصة بالنظام الضريبي في سويسرا، وتسمح لمصلحة الضرائب بأن تتقدم بطلب للحصول على معلومات عن حسابات العملاء لمكافحة التهرب الضريبي للمواطنين السويسريين. ولكن الحكومة لا تزال تتحفظ على بعض بنود الاتفاقيات الدولية الخاصة بتبادل المعلومات. إلا أنها أعربت عن استعدادها للتعاون مع الدول الأخرى فيما يتعلق بمكافحة التهرب الضريبي كما حدث مع الولايات المتحدة مؤخراً. >


لا يوجد تعليقات