الاقتصاد العالمي .. أزمة الديون لا تزال قائمة
السؤال الذي يطرح نفسه ماذا تعلمنا من دروس الأزمة في منطقة الخليج بعد أن أوشكت العاصفة على الهدوء؟ إن الواقع يشير إلى أن أول ما يجب الوقوف عليه هو تفهم خطورة الاندفاع خلف موجة الاقتراض أيا كانت طرق تمويله, فلا فرق بين أن يكون تقليديا أو إسلاميا, كما أنه يجب الوقوف على حقيقة الالتزام بالإفصاح والشفافية اللازمة لنجاح واستمرار المشروعات الضخمة التي قد تتحول إلى فقاعة كبيرة تدمر السمعة التجارية الناجحة لعدة عقود.
الحديث لم ينته بعد عن تعافي الاقتصاد العالمي من الأزمة المالية التي عصفت به قبل عام وطالت أعتى الصروح المالية ذات التاريخ المعاصر لانطلاقة الفكر الاقتصادي الرأسمالي في الدول الصناعية. ومع اشتداد الأزمة وتدخل صناع القرار السياسي لإنقاذ الاقتصاد العالمي, دب التفاؤل في الجسد المثقل بالديون التي تتجدد وتتراكم مع تباطؤ النمو وحركة تداول الأموال والعجز عن الوفاء بالحقوق في مواعيدها النظامية, ولم يكن هناك من خيار سوى الرضوخ للواقع رغم ما فيه من مآس, فكان الإفلاس والتصفية أو وقف النشاط نتيجة حتمية لعدم قدرة بعض المؤسسات على الاستمرار في ظل المتغيرات القسرية التي تساوت فيها تلك المؤسسات, رغم تباين كبير في طرق تمويلها واختلاف واضح في علاقاتها التعاقدية مع عملائها.
إن الأزمة المالية العالمية لم تنته بعد حيث تظهر بين الحين والآخر اقتصادات ناشئة تعاني من آثار الأزمة ونتائجها وتحاول جاهدة الخروج بأقل قدر ممكن من الخسائر تأجيل سداد الديون المستحقة على بعض المشاريع تحت الإنشاء وإعادة هيكلة الديون والتوافق مع الدائنين وحملة الصكوك التي حلت بديلا للسندات التقليدية في تمويل بعض تلك المشاريع. ومع ذلك لم يتغير شيء, فالتمويل تحت أي اسم كان يعتبر دينا بغض النظر عن الإطار الذي يحويه أو الشكل الذي يأخذه. ورغم وجود المبررات المقنعة إلا أنها لم تكن كافية لقبول إعادة الهيكلة للديون, إذ لا بد من توافر رضا وقبول الطرف الدائن بل الأطراف الدائنة، حيث يقف في الجانب الدائن عدة بنوك ممولة ومشتركة في التمويل يجب الرجوع إليها ويصعب فرض الواقع عليها رغم وجود أسباب مقنعة بأنها حقيقية وليست مصطنعة, أو يسيرة حتى يمكن تجاوزها.
لقد تعامل الممولون مع المؤسسات المالية المقترضة بالرجوع إلى الضمانات المقدمة لهم ابتداء سواء كانت صكوك ملكية أو ضمانات شخصية لاقتضاء حقوقهم في مواعيدها المتفق عليها, لأن تأخير سدادها يربك قدرة أولئك الممولين على الوفاء بالتزاماتهم أيضا, ويؤثر في توافر السيولة النقدية لديهم, مما يعطيهم الحق في رفض التأجيل أو إعادة الهيكلة لما فيهما من ضرر مادي في وقت لا يستطيع فيه الممولون تحمل آثارهما ونتائجهما, وخصوصا في فترة عصيبة هي الأكثر حرجا في تاريخ الاقتصاد الحديث.
إن المشروعات التجارية العملاقة التي اعتمدت على التمويل الدولي لعدة بنوك مشتركة بنيت دراسات الجدوى فيها على نجاح التسويق لوحداتها ومنشآتها السكنية والتجارية, واستمرار نمو الخدمات السياحية بأرقام تصاعدية مطمئنة لإنجاز تلك المشروعات, والقناعة بتوفير إيرادات لسداد رأس المال والتكاليف وخدمة ديون المشروع وتحقيق أرباح وعوائد مجزية, وهي لم تكن مجرد أحلام وإلا لما اقتنعت البنوك بالتمويل وتحمل المخاطرة العالية فيه, لذا فإن جميع الأطراف مشتركة ومساهمة في خلق الوضع الحالي الذي لم يلم فجأة, ولكنه تكدس تحت ركام التمويل المجحف بحق التنمية والذي قد يجعل كثيرا من المنجزات مرتهنة لحقوق الممولين. والأخطر من ذلك أن التمويل له بعد تجاري ومصرفي دولي وله تأثير سلبي في حالة عدم معالجته بجدية وكفاءة, وقد يؤدي إلى سحب الثقة بالفكرة التي طالما حركت الأحلام لمن ترددوا في الدخول لمعترك التمويل الدولي لمشروعاتهم وجذب الاستثمارات الخارجية لتساهم في إحداث نقلة تعتبر نموذجا لنجاح الاستثمارات غير النفطية في منطقة هي الأكثر اعتمادية على النفط.
إن نجاح تجربة إلغاء القيود الوطنية وتفضيل رضا المستثمر الدولي نجحت في بناء مشروعات عملاقة ومتميزة ولكن يمكن وصف بعضها بأنها ترفية أو غير ذات جدوى على المدى البعيد لأنها الأكثر عرضة لاقتضاء حقوق الدائنين, ومع التوجه نحو استقطاب الاستثمارات الأجنبية لم يعد هناك ملاذات استثمارية آمنة, لأن الأقرب حدوثا في المجال العقاري والخدمي تسببت في ركود الأصول وضعف تسويق الخدمات.
والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا تعلمنا من دروس الأزمة في منطقة الخليج بعد أن أوشكت العاصفة على الهدوء؟ إن الواقع يشير إلى أن أول ما يجب الوقوف عليه هو تفهم خطورة الاندفاع خلف موجة الاقتراض أيا كانت طرق تمويله, فلا فرق بين أن يكون تقليديا أو إسلاميا, كما أنه يجب الوقوف على حقيقة الالتزام بالإفصاح والشفافية اللازمة لنجاح واستمرار المشروعات الضخمة التي قد تتحول إلى فقاعة كبيرة تدمر السمعة التجارية الناجحة لعدة عقود, والتي لا يمكن الحكم عليها بالفشل لمجرد وجود مديونيات ولكنها بتأثيرها السلبي في المديين المتوسط والبعيد ستزعزع ثقة المستثمرين وتضر بمشروعات أخرى تم إنجازها وسداد ما عليها من حقوق للدائنين. ولعل ما يخفف دوما من وقع أية أزمة مهما بلغ حجمها هو طريقة الإعلان عنها, فقد تؤدي إلى رد فعل مبالغ فيه متى تم الإعلان بطريقة تسبب المخاوف بدلا من بث الطمأنينة. ويبدو أن الصدمة نشأت وأخذت بعدها للدائنين والأسواق والجمهور الذين لم يجدوا حتى الآن ما يبرر كل هذا الضجيج في وقت تنتظر فيه الأسواق أخبارا بصبغة التفاؤل لقرب انتهاء الأزمة والخروج من نفقها المظلم .

لا يوجد تعليقات