طفرة في الأبحاث الميدانية والتطبيقية المتخصصة في التمويل الإسلامي
ينقسم مجال البحث في التمويل الإسلامي إلى قسمين رئيسين: أكاديمي وتطبيقي. وينتشر النوع الأول ــ الذي يتضمن الدراسات النظرية ــ بصورة كبيرة، وتقوم به الجامعات ومراكز الأبحاث. أما الأبحاث التطبيقية فتتم في عالم الشركات ولا تتوافر منه مادة منشورة في أغلبية الأحيان.
البحث الأكاديمي في المصرفية الإسلامية تعد المؤسسات الأكاديمية في الأساس مراكز للأبحاث سواء كانت مؤسسات تعليم عالٍ أو غيرها. وفي هذا المجال يقوم على إعداد الأبحاث مختصون في الاقتصاد أو الشريعة الإسلامية. وقد أدرك القائمون على تلك الصناعة مدى أهمية البحث الأكاديمي لنموها. وقد أدى قيام المصرفية الإسلامية على أساس أكاديمي إلى تحولها إلى صناعة محترفة لها قواعدها وليست مجرد تجارة قائمة على أسس دينية.
وهناك عديد من المؤسسات التي أخذت على عاتقها تنمية مجال البحث في الاقتصاد الإسلامي. وتثمن الدراسة غالياً الدور الرائد لكل من مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز، ومعهد الأبحاث والتدريب التابع لبنك التنمية الإسلامي IRTI في مجال تنمية أبحاث الاقتصاد الإسلامي. ومن المراكز المهمة في مجال الأبحاث والتدريب تأتي الجامعة الإسلامية الدولية في ماليزيا، والمعهد الدولي للفكر الإسلامي IIIT، والجامعة الإسلامية الدولية في إسلام أباد التي قامت بتحويل مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي التابع لها إلى كلية حملت اسم (كلية التمويل الإسلامي). وهناك أيضاً معهد المصرفية الإسلامية والتأمين في لندن IIBI، والمعهد الدولي للأعمال والتمويل بالهند، معهد دراسات الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية في جامعة دورهام .. وغير ذلك من المراكز البحثية المرموقة.
إضافة إلى هذا فإن هناك عدداً من المؤسسات التي تم ذكرها تقدم درجات علمية في هذا التخصص. ويلعب وجود هذا العدد من الجامعات المهتمة بالمجال دوراً كبيراً في ارتفاع عدد الباحثين في كل منطقة في شتى أنحاء العالم.
ويلاحظ أن أكبر عدد من المشاريع البحثية يتم إجراؤها في الدول التي تضم جامعات تقوم بتدريس مناهج متعلقة بالتمويل الإسلامي مثل إندونيسيا وماليزيا. وتعد هذه الدول الأكثر منحاً لدرجات الماجستير والدكتوراة في هذا التخصص. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تلي هاتين الدولتين من حيث عدد الأبحاث المقدمة في هذا التخصص إلا أنها لا تضم إلا عدداً محدوداً من حملة الدكتوراة في موضوعات ذات صلة بأي من فروع الاقتصاد الإسلامي وبصفة خاصة بالمقارنة بإندونيسيا وبريطانيا.
وقد بلغ عدد الأبحاث المقدمة لنيل درجات علمية في الولايات المتحدة وبريطانيا 4 أبحاث فقط في الفترة بين 1970 و1979. إلا أن العدد ارتفع ليصبح 66 أثناء عقد الثمانينيات نظراً لازدياد الباحثين المهتمين بتلك النوعية من الدراسات. وفي الفترة بين 1990 و1999 ارتفع العدد ليصبح 104 دراسات أكاديمية. وتعتبر تلك الأرقام دقيقة نظراً لتوافر المعلومات المتعلقة بجميع الأبحاث من خلال شبكة معلومات متخصصة. ولكن الحال يختلف في دول مثل إندونيسيا والهند وباكستان, حيث يزيد عدد الأبحاث المقدمة في هذا الصدد ولكن لا توجد إحصاءات دقيقة تحدد عددها. والأمر نفسه بالنسبة للشرق الأوسط, حيث إن الأبحاث المتخصصة تتزايد يوماً بعد يوم إلا أنه لا يوجد توثيق بعددها أو تفاصيلها المختلفة.
وتتسع الهوة في عدد الأبحاث المنشورة في دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة من ناحية ودول أخرى من ناحية. وفي الوقت الذي لا تقدم فيه الدولتان عدداً كبيراً من المشروعات البحثية الضخمة كما هو الحال في ماليزيا مثلاً إلا أنهما تنشران بصفة دورية أبحاثا ومقالات على درجة عالية من الكفاءة. ويرجع هذا إلى وفرة المصادر التي توفرها الجامعات في أوروبا وأمريكا الشمالية للباحثين, سواء بالنسبة للتسهيلات التي تتاح للباحث أو المراجع التي تعينه على إنجاز أبحاثه. وتقدم الجامعات هناك دعماً كبيراً لهذه الأبحاث, إضافة إلى الاهتمام الكبير بمجال التمويل الإسلامي في تلك الأقاليم. وقد حفز هذا عديدا من المؤسسات الأكاديمية المرموقة مثل جامعات: هارفارد ورايس ودورهام لتبني الباحثين المهتمين بالاقتصاد الإسلامي.
ومن ناحية أخرى تقوم بعض المؤسسات سواء كانت أكاديمية أو لا بعمل مشروعات بحثية شبه مستقلة تهدف إلى تشجيع البحث في هذا المجال. ومن هذه البرامج مشروع بحثي في جامعة هارفارد, كان بمثابة متابعة برنامج هارفارد لمعلومات التمويل الإسلامي, وكان البدء فيه في 1995. ويهدف المشروع إلى إدارة البحث في الاقتصاد الإسلامي من منظور قانوني، ولتسهيل التعاون بين الباحثين بحيث يتمكنون من تطوير تطبيقات للدراسات النظرية التي قدموها. وهناك ما يقرب من خمس عشرة ورقة بحثية قام أفراد بإعدادها في هارفارد لدراسة حالات تم إخضاعها للبحث. وتتلقى المراكز المتخصصة في الجامعات استفسارات عديدة من معاهد ومراكز أخرى لمعرفة كيفية تدريس الاقتصاد الإسلامي للدارسين، وكذلك عن إمكانية الإشراف على دراسات ذات صلة.
ويعد معهد المصرفية الإسلامية والتأمين في لندن IIIBF أقدم المؤسسات البحثية في مجاله، وحقق عديدا من الإنجازات منها ترجمة ونشر الفتاوى الشرعية في أربعة أجزاء، وكذلك إعداد موسوعة في المصرفية الإسلامية, التي تعد من المراجع المهمة, وذلك من خلال شبكة IBF-Net الخاصة به، وكذلك الندوات والمؤتمرات التي يعقدها، والمكتبة الإلكترونية التي يتوافر من خلالها عدد كبير من الدراسات والمقالات المهمة. ويمنح المعهد عدداً من الشهادات منها دبلوم التمويل الإسلامي والإدارة، وشهادة المصرفي الإسلامي CeIB، وشهادة محترف التأمين الإسلامي CeIIP، وشهادة محلل الاستثمار الإسلامي CeIIA. وهذه البرامج يمكن الحصول عليها من خلال الدراسة عبر الإنترنت.
وفي ماليزيا أنشأ البنك المركزي ــ بنك نيجارا ــ المركز الدولي للتعليم في المصرفية الإسلامية INCEIF ويتم التخطيط لتحويله إلى جامعة باسم UNCEIF بحيث تكون متخصصة في التعليم رفيع المستوى في مجال الاقتصاد الإسلامي.
الأبحاث داخل أروقة الشركات يتم إجراء الأبحاث التطبيقية في عالم المؤسسات الكبرى ولا يتم نشرها في الغالب، وتهدف لخدمة أهداف قصيرة المدى للشركة. وتكون البيانات التي تتضمنها الدراسة متاحة في نطاق ضيق على عكس الأبحاث الأكاديمية في مراكز البحث الخاصة بها. وهناك بعض المراكز التي تجمع بين التخصص في البحث الأكاديمي والبحث التطبيقي في آن واحد, إلا أن الجانب التطبيقي يكون ضئيلاً نسبياً. ومنها مركز أبحاث دلة البركة الذي يعمل في الأبحاث ذات الصلة بالفتاوى التي تصدر عن الهيئة الشرعية في المجموعة. ومن جانبها تعمل أكاديمية الفقه التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي على وضع قواعد موحدة للعمل المصرفي المطابق لأحكام الشريعة. وقام بيت المال الكويتي بعمل مشروع لتجميع الفتاوى التي تصدرها الهيئة الشرعية الخاصة به، و الأمر نفسه بالنسبة لبنك الراجحي. أما بنك دبي الإسلامي فقد بدأ تكوين نواة مركز أبحاث وتنمية، وينشر دراسات الباحثين في دورية "اقتصادنا".
وبشكل عام فإن البنوك الإسلامية لا تستطيع الاضطلاع بمهمة إنشاء أقسام لعمل مشروعات بحثية ضخمة, ولهذا فإن غالبية المؤسسات المالية الإسلامية تقوم بتطوير منتجاتها وإجراء أبحاث السوق بالاشتراك مع أطراف أخرى.


لا يوجد تعليقات