تشوهات في بلاط المصرفية الإسلامية
إن مفهوم “القيمة الإضافية”، لم يكن معروفاً فعلياً في دوائر المصرفية العالمية، ويكاد يكون مقصوراً على البنوك الاستثمارية الإسلامية. على سبيل المثال فإن إحدى الشركات الكبيرة في البحرين يمكن أن تشتري بعض الموجودات (مثل قطعة أرض أو إحدى الشركات)، باستخدام ميزانيتها العمومية، ثم بعد ذلك تبيعها بعد بضعة أشهر إلى المستثمرين بسعر مضخم إلى حد هائل. الممارسات التي من هذا القبيل كانت ممتازة بالنسبة لحملة الأسهم في البنوك الاستثمارية الإسلامية, لكنها كانت مؤذية تماماً بالنسبة للمستثمرين الخاصين في صفقاتهم. من الناحية العملية فإن هذا أعطى البنوك الاستثمارية الإسلامية رسم نجاح في بداية الصفقة، وليس عند نهايتها المنطقية التي تنتمي إليها.
خذ مثلاً بيانات الدخل قبل 5 سنوات أو أكثر لدى البنوك الاستثمارية الإسلامية المعروفة. في بعض من أشهر الشركات فإن الدخل المتحصل من الصفقة بفعل الحصول على الموجودات كان يشكل 75 في المائة من جميع الدخل. وكانت إدارة الموجودات والموجودات الحالية لا تشكل إلا 25 في المائة أو أقل من الدخل.
معنى ذلك أنه إذا لم يكن بمقدور البنك الاستثماري لسبب أو لآخر أن يشتري الموجودات (على سبيل المثال في حالة وقوع أزمة ائتمان عالمية توقف حركة المال)، فإن البنوك نفسها ستواجه هبوطاً هائلاً في الدخل. بطبيعة الحال هذا هو ما حدث. اعتاد الناس على الشراء، ثم الشراء والشراء، وفجأة وجدوا أنفسهم دون أموال تكفي لتسديد رواتب الموظفين والنفقات الأخرى.
والآن نحن لسنا بحاجة إلى قدر كبير من التفكير لندرك أن بإمكان أي شخص أن يقوم بالشراء. تستطيع جدتي أن تقوم بعملية شراء، وكذلك تستطيع جدتك أن تفعل ذلك. لكن الأمر الذي يتطلب الانضباط والعمل الجاد والحرفية هو إدارة الموجودات والخروج منها. هذا هو المكان الذي توجد فيه، وينبغي أن توجد فيه، النقود. لكن الشركات التي تعتمد فقط على الاستحواذ على الموجودات، وليس على إدارتها وبيعها، سرعان ما تدرك أن الأعمال لا يمكن استدامتها على مدى الزمن. في نهاية الأمر ستكون هناك أزمة من شكل أو آخر تعمل على إيقاف العملية بكاملها.
أعتقد أنه يجدر بنا إلى حد ما أن نشعر بالامتنان لأزمة الائتمان. فقد وضعت حداً، نأمل أنه حد نهائي دائم، إلى نوع غير قابل للاستدامة من الأعمال التي خلقت قيماً مزيفة وتوقعات مزيفة. احتاج الأمر إلى كميات هائلة من الأموال من الجمهور لصبها فيما كان دائماً مجرد سوق متخصصة. الأنواع الأخرى من الأعمال الاستثمارية عانت من الأزمة، لكن لم يكن السبب لأنها لم تكن أعمالاً سليمة أو لأنها لم تكن تستحق صب المال فيها، وإنما عانت فقط لأن الجمهور الاستثماري ووسائل الإعلام والأجهزة التنظيمية كانت مغرمة إلى حد كبير بالأسهم الخاصة. البنوك الاستثمارية الإسلامية طورت وحورت السوق، ما أدى إلى تشويه حركة رأس المال من المدخرين إلى المستخدمين. التوسط المالي يفترض فيه أن يعمل على تخصيص رأس المال بكفاءة، حيث يتم بعض التوسط المالي للمستثمرين من ذوي المخاطر المتدنية، وبعضها للمستثمرين الذين لا يمانعون في الاستثمار ذات الخطورة الأعلى. بيوت الأسهم الخاصة، مثل البنوك الاستثمارية الإسلامية التي انتشرت وتكاثرت في منطقة الخليج العربي من عام 2002 إلى عام 2007، لم يكن ينبغي لها أبداً أن تتلقى هذا القدر الكبير من رأس المال ومن الاهتمام. كان يجدر بها أن تظل دائماً نطاقاً متخصصاً من الأعمال في سوق متخصصة. لكنها للأسف تلقت قدراً يفوق الحد من الاهتمام والطنطنة. والآن نحن نشهد آثار هذا التشويه في المشهد المالي.
من الملوم في هذه الفوضى؟ أحد مصادر اللوم هو وكالات التقييم الائتماني. فقد أعطت مرتبة ائتمانية عالية لعدد من أكبر الأسماء في المصرفية الاستثمارية الإسلامية, دون إعطاء اعتبار كاف لقابليتها للاستدامة في نماذجها العملية التي تقوم عليها. كانت وكالات التقييم متهاونة تماماً في إعطاء مرتبة ائتمانية عالية، وكانت بطيئة تماماً في إدراك أن الأعمال الكامنة غير قادرة على تكرار الأداء إلى ما لا نهاية. لكن كما حذر الأستاذ شومبيتر قبل نحو سبعة عقود، فإن “رياح التدمير الإبداعي” تهب بعنف. هذه الرياح نفسها لها تأثير منظِّف، وبالتالي فإننا سنرى كذلك تنظيفاً لهذه الفوضى التي نشهدها الآن في المصرفية الاستثمارية الإسلامية. ربما يكون المستقبل أكثر إشراقاً بالنسبة لمزيد من التخصيص العقلاني لرأس المال في صناعة المصرفية الإسلامية، مع مزيد من التركيز على تطوير نماذج أعمال تعتمد فقط على الدخل المتكرر، وليس على مقامرات عالية بأموال الناس الآخرين.
نحن نعلم جميعاً الآن أنه حين تلقت الشركة الضخمة المعروفة في منطقة الخليج العربي تقييماً من فئة (أ سالب) عن إصدار صكوكها في يونيو 2007، فإن الشركة استخدمت هذا التقييم المتميز للمستوى الائتماني لصكوكها، استخدمته في سبيل اقتراض مزيد ومزيد من الأموال من كل جهة تستطيع العثور عليها.
للأسف لم يكن هناك من يراقب كمية إجمالي المبالغ التي استدانتها الشركة، وفي نهاية الأمر انتفخت الشركة بالديون إلى درجة أنها لم تعد قادرة على العيش، وحدث إعسار هائل نتيجة لذلك. بعد ذلك تبين أن هذه الشركة الخليجية استخدمت تقييمها الائتماني العالي لاقتراض مزيد من مليارات الدولارات. أين كانت وكالات التقييم الائتماني؟ ألم تضع حداً لإجمالي القروض التي استدانتها الشركة؟ لسوء حظ الجمهور المقرض فإن هذا لم يحدث. كانت وكالات التقييم الائتماني بطيئة في اكتشاف الحجم الحقيقي للدين الذي اقترضته إحدى الشركات في المنطقة الشرقية منذ الإصدار الأول لصكوكها. لكن فقط بعد أن ظهرت القوة الحقيقية للأزمة الائتمانية وضربت الشركات، كشف النقاب عن المدى الفعلي للديون، لكن بعد فوات الأوان بالنسبة لكثير من أصحاب السندات.
وكالات التقييم الائتماني ليست آلهة، ولا هي تتمتع بقوة سحرية. إنها تفعل أفضل ما لديها لرصد الشركات التي تعمل على تقييمها، وتغير التقييمات في مواعيدها المناسبة. لكن الشركات المقترضة تتمتع بالمهارة، ولديها عادة الإبلاغ عن قدر أقل من الحد بعد فترة تزيد على الحد. مرة أخرى، حين تكون الأوقات طيبة فإننا جميعاً نطفو إلى الأعلى في غمرة القيم والأرباح المرتفعة. وحين تضرب قوى الجيشان والاضطراب، أو أن تهب عاصفة قوية في عامي 2008 و2009، فإننا لا نستطيع الاعتماد على وكالات التقييم وحدها لتخبرنا عن أوضاع الشركات المقترضة. نحن بحاجة إلى استخدام قدرتنا التخيلية وقدر من الحدس لحماية مدخراتنا.

لا يوجد تعليقات