خبراء في ندوة «المؤسسات المالية الإسلامية ودورها التنموي والاجتماعــي .. المقاصد والأهداف» في الكويت:

هاتوا تشريعاتكم قبل أن تسألوا المؤسسات المـالية الإسلامية عن دورها التنموي والاجتماعي

تحت عنوان «المؤسسات المالية الإسلامية ودورها التنموي والاجتماعي .. المقاصد والأهداف», عقدت ندوة المصرفية الإسلامية في مقر شركة المشورة والراية للاستشارات المالية الإسلامية في دولة الكويت أخيرا, حيث تم استعراض مراحل تطور الصناعة المالية الإسلامية، مشيرة إلى أنه نشأت فكرة أول بنك إسلامي في الستينيات من القرن المنصرم بجهود من الدكتور أحمد النجار ــ رحمه الله ــ في قرية ميت غمر المصرية. وكان النموذج القائم آنذاك يستند إلى شريحتين من المضاربة أولاهما يكون فيها البنك مضارباً بأموال العملاء المستثمرين، وثانيتهما يكون فيها البنك رب مال في مضاربات لرواد أعمال. وقد شهدت الصناعة المالية الإسلامية ظهور أول بنك إسلامي بمفهومه الحديث في بدايات سبعينيات القرن المنصرم, وهو بنك دبي الإسلامي, تلاه البنك الإسلامي للتنمية بمساهمات من دول إسلامية ونموذج أعمال يشابه إلى حد بعيد نموذج أعمال البنك الدولي. ثم تتالت البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في الوجود في مختلف أصقاع الأرض, إلى أن تجاوز عدد المؤسسات المالية الإسلامية التي تعمل بالكامل وفقاً للشريعة 450 مؤسسة, وفقاً لإحصائيات المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية لعام 2009

لقد رافق هذا الانتشار الواسع للمؤسسات المالية الإسلامية تنوع ملحوظ في نماذج الأعمال وطبيعة النشاطات, فوجدت شركات التأمين الإسلامي، ومؤسسات التمويل, وبنوك الاستثمار, والبنوك التجارية الشاملة. وقد أدى هذا الانتشار الواسع إلى إعمال عقول الباحثين والخبراء في كثير من الجوانب التي تميز المؤسسات المالية الإسلامية عن نظيراتها التقليدية.

ولعل أبرز هذه الجوانب ــ كان ولا يزال ــ جانب الحل الشرعي, وهو بلا شك عظيم ولا يمكن تغافله، إلا أن الأمر يستوجب توضيح جوانب أخرى تتعلق بجوهر الشريعة الإسلامية.. ألا وهو أهدافها ومقاصدها. فإلى أي حد نجحت المؤسسات المالية الإسلامية في خدمة مجتمعاتها وتنميتها كجزء من أهدافها بكونها تعمل وفقاً للشريعة؟ وهل هناك مزيد مما يمكن تقديمه للمجتمعات من خلال المؤسسات المالية الإسلامية؟ وهل أدى دخول غير المسلمين إلى الصناعة بالابتعاد عن المقاصد والأهداف؟وإلى أي حد تتم مراعاة المقاصد في أعمال الفتوىوالرقابة الشرعية؟

ناصر الزيادات
عصام الطواري

في البداية تحدث الدكتور عصام العنزي عن تعريف مقاصد الشريعة قائلا: تعددت مفاهيم ومقاصد الشريعة الإسلامية، حيث تدور كلها حول كليات خمس, فقد جاء الإسلام لحفظ هذه الكليات وهي: حفظ الدين وحفظ العقل وحفظ العرض وحفظ المال وحفظ النفس، ثم جاء فقهاء وعلماء المسلمين وقسموا الأحكام الشرعية إلى ثلاثة مستويات: وهي: الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينات، لكل من هذه الأمور الثلاثة أحكام خاصة وميزة ودرجة عن الأخرى, فمثلا الضروريات تتقدم على الحاجيات والحاجيات تتقدم على التحسينات .. وهكذا. ولو تعارض أمر ضروري مع أمر حاجي نقدم الضروري على الحاجي وكذلك الأمر الحاجي نقدمه على التحسيني .. وهكذا. ومن ضمن هذه الكليات حفظ المال, حيث جاء الإسلام وشرع أحكاما لحفظ المال أولها فرض الزكاة وهي أحد الفروض الخمسة في الإسلام وأيضا حرم الربا وحرم الخداع وحرم الغرر والتدليس والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل وحرم القمار والخداع, ومن جانب العقوبات شدد الإسلام على حد السرقة وقطع يد السارق وعقوبة الحرابة وشدد على عقوبة الرشوة والربا والخداع وقطع اليدين وإيذاء الناس, وقد جاءت نصوص شرعية كثيرة تؤكد على المقاصد الشرعية في حفظ المال.

وحول كيفية حفظ المؤسسات المالية الإسلامية الحديثة الأموال, قال الدكتور العنزي: من أول هذه الأشياء توعية الناس لتجنب الربا وأن الناس تتعامل وفقا لما أمرهم به الله. وثانيا: تنمية أموال الناس بهدف تعظيم هذه الأموال، فليس من المعقول أن تطلب من الناس دفع 25 في المئة كزكاة من ناتج هذه الأموال, في الوقت الذي يطلب منهم حفظ مالهم في البنوك دون أن يحصلوا على أرباح ودون تنمية هذا المال، الأمر الذي يؤدي الى تآكل هذه الأموال. وعليه قال رسول الله عليه الصلاة والسلام « تاجروا في أموال اليتامى كي لا تأكلها الصدقة» , لذا يجب استثمار أموال الناس وبما يتفق ومقاصد الشريعة.

د. عبد الرحمن الشايجي
د. عصام العنزي

من خلال التطبيق والممارسة هل المؤسسات المالية الإسلامية أخذت بعين الاعتبار المقاصد الشرعية في حسبانها؟ يؤكد الدكتورعبد الرحمن الشايجي أن العبرة دائما بالنتائج, فالمصارف الإسلامية كانت أقلها تأثرا بالأزمة المالية العالمية،على الرغم من أن الاقتصاد الإسلامي لا يعيش بمعزل عن الاقتصاد الدولي وعن المكاسب والخسائر، وبيت المال الإسلامي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب تعرض لسلسلة من الأزمات حتى أنه أوقف حد السرقة عندما تعرض الناس إلى الحاجة والجوع.

وعليه يمكن القول إن وجود الوازع الديني والرقابة الشرعية من العوامل الرئيسة التي أسهمت في تقليص حدة الأزمة، رغم أن الممارسين من أعضاء هيئات الرقابة الشرعية ينقصهم التأهيل الشرعي وبعضهم تنقصه الخبرة الفنية على أرض الواقع، ومثال ذلك بنك دبي الإسلامي، وكذلك لا يوجد من فكر في إنشاء معهد مصرفي إسلامي يتم من خلاله تأهيل الممارسين لهذه المهنة، ويزودهم بالخبرات الشرعية اللازمة، وما هو موجود هو المجلس الأعلى للبنوك وهيئة المحاسبة والمراجعة الإسلامية، فالمطلوب تنمية القدرات الذاتية وكسب الخبرات الفنية اللازمة لمضاعفة أعمالنا, وهذا ما ورد في سورة القصص «إن خير من استأجرت القوي الأمين», وكما قال الشيخ ابن تيمية «الحاكم القوي الظالم خير من الضعيف العادل» لأن قوته في المحصلة قوة للمجتمع وضعفه سيؤثر في المجتمع. وكان الشيخ أحمد بزيع الياسين قد دعا في وقت سابق لإنشاء معهد مصرفي إسلامي.

وحول مراعاة العلماء وأعضاء الهيئات الشرعية المقاصد لدى إصدارهم الفتاوى الإسلامية, قال الدكتور عصام العنزي: نحن في الهيئات الشرعية نتدارس الموضوع من جميع جوانبه ونرى مدى مطابقته للمقاصد الشرعية، والهيئات الشرعية تنظر في عقود ومعاملات ومسائل كثيرة تعرض عليها, بعضها تجري إجازته والآخر لا يجاز، وهناك بعض الصيغ إذا نظرنا إليها نظرة مجردة نراها جائزة شرعا ولا يوجد حرج شرعي فيها, لكن الخشية أن تؤدي إلى أشياء أخرى غير مقبولة أو غير مجازة، ولذلك يكون لنا منها موقف لسد الضرر.

وما يتعلق بترجيح المصالح ودرء المفاسد، فالمهم لدى الهيئات الشرعية وضوح الجوانب المرجحة تحقيقا لمصالح المسلمين عموما عن غيرهم, وهذا بالطبع يحتاج إلى ميزان شرعي دقيق جدا, علما أن الإمام الشافعي يقول «إن الدين كله جاء لشيئين: جلب المصالح للمسلمين ودرء المفاسد», وعليه فإنه عند النظر في المنتجات الجديدة علينا أن ننظر إلى هذا الأمر من باب المنفعة للمسلمين أو المفسدة لهم.

وفي دراسة عن دور البنوك الإسلامية في التنمية الاجتماعية للدكتور محمود الأنصاري ــ وهي على موقع الموسوعة الإسلامية ــ من ضمن الأشياء التي يتحدث فيها أن البنوك الإسلامية تشكل 80 في المئة من حجم الصناعة المالية الإسلامية, حيث يقول إن الجزء الأكبر من عمليات المؤسسات المالية الإسلامية تتحقق من عمليات التمويل, في حين أن التنمية تتحقق من عمليات الاستثمار, فلدينا في المصرفية الإسلامية عمليات التمويل وعمليات استثمارية مشاركة أو مضاربة, فهل جعل الجزء الأكبر من عملياتنا لعمليات التمويل فيه ظلم لعملية التنمية من ناحية فنية؟

على ذلك أجاب عصام الطواري قائلا: من ناحية فنية وعملية هناك شقان .. هل نتحدث عن أدوات تمويلية أم نتكلم عن وحدات وتركيزها هل استثماري أم تجاري؟ إذا تكلمنا عن أدوات تمويلية فأغلبية احتياجات السوق بشكل عام للتمويل سواء لعروض التجارة أو عروض الاستثمار .. كذلك المال في هذه الحالة أغلبيته في الجانب التمويلي, بينما المال في الجانب الاستثماري أعتقد أنه كان هناك سوء فهم في فكرة ماهية الاستثمار أو الطابع الاستثماري. في البدايات كانت فكرة عمل المصرف الإسلامي هي المصرفية القائمة على الربح والخسارة, وعلية دخلت بعض المصارف دون أن يكون لديها خبرة كافية في قطاعات الاقتصاد مع أشخاص لم يكن لديهم مصداقية أو ذمة, فسلبوا أموال هذه المصارف من خلال عمليات المشاركة والمضاربة, لذلك حصلت الخسارة, وعليه صار هناك اتجاه معاكس, وفي المقابل كان هناك تشكيك من الجهات الرقابية في هذه الجهات المصرفية في التركيز على الأدوات التمويلية وأخذ الضمانات الكافية، بمعنى أن القانون الذي تخضع له المصارف الإسلامية في الدول الإسلامية وغيرها يجب أن يعمل على حفظ أموال المودعين.

وفي سؤال للدكتور عبد الرحمن الشايجي: هل تعتقد أن عمليات التمويل التي تلجأ إليها المؤسسات المالية الإسلامية بشكل عام من أجل فقط تقليل المخاطر ومن أجل أن تختصر كما كبيرا من المخاطر, وهناك من يقول إن أسواقنا ورواد الأعمال غير موجودين في مجتمعنا حتى نمولهم .. أعطني شيئا واحدا وأقوم بتمويله, ما رأيك في هذا الطرح؟

يوضح الدكتور الشايجي فيقول: أود القول أولا إن الاستثمار هو التمويل والتمويل هو استثمار, ويعد هذا ثوابت عن المعادلة, فعندما أتمول من البنك فالبنك يقوم بعملية الاستثمار, أي أن الاستثمار والتمويل وجهان لعملة واحدة.

ثانيا من يقول إن الشركات الإسلامية تلجأ للتمويل درءا للمخاطر, بالعكس إنني أتعرض لمخاطر أكثر وأكبر, ولكن عندما أوزع المخاطر على شركة أكبر فإنني أقوم بعملية تقليل المخاطر, لأن التمويل قائم لدينا سواء مولت بـ 50 ألفا أو مليون, النتيجة نفسها عنصر المخاطرة قائم ولكن عندما نفرق بين تمويل الأفراد أو تمويل الشركات فإن تمويل الأفراد أقل مخاطرة لسببين: ميزته عندما وضعت المليون دينار ووزعتها على40 أو50 فردا فإنك بذلك تقلل المخاطر, والميزة الأخرى التي جعلت بعض الشركات سواء قابضة وخلافة ما زالت قائمة, كما أن عمليات التمويل للأفراد ولدت عمليات نقدية للودائع.

نحن نعلم سواء لتمويل الأفراد أو الشركات العيب ليس في المستهلك ولكن العيب فينا نحن القائمين على أوضاع المصرفية الإسلامية.

عندما طفا على السطح خلال 2005 - 2007 موضوع التورق الذي نتجت عنه مشكلات أخرى فنية اجتماعية تطبيقية جعلت الناس تتغاضى عن عملية التورق حسب أصولها الشرعية وقتل الإبداع لدينا وتصور الناس أنهم يبتعدون عن المخاطرة, على الرغم من أن التورق يعرض الناس للمخاطرة أكثر، فنحن لم نعمل دراسة جدوى للمشروع أو نعمل على فحصه.

وفي سؤال موجه إلى أعضاء الهيئات الشرعية بعد أن أصبح هناك نوع من التورق في أغلبية المحافظ الاستثمارية من عملياتكم, هل من دور للهيئات الشرعية أن تتدخل في توسيع المحفظة الاستثمارية والتمويلية؟

قال الدكتور عصام العنزي: لا شك حدث جدل كثير في الفترة الأخيرة حول عمليات التورق, ولا سيما أن كثيرا من المشايخ والعلماء تحدثوا عن التورق المنظم, فهو يعني أن البنك يقوم نيابة عن العميل بعمليات البيع نقدا ثم يأخذ البنك النقد, ولكن قرار مجمع الفقه الأخير جاء بالمنع.

في الحقيقة التورق المنظم يدل على النظام, والإسلام لا يحرم شيئا منظما, ولكننا نتكلم عن أنه منضبط أم غير منضبط. هناك لا شك شروط شرعية إذا توافرت نقول هذا متوافق مع الشريعة وإذا لم يتوافق نقول إن هذا غير متوافق مع الشريعة. هذا الأمر بالنسبة لكل المنتجات سواء المرابحة أو المضاربة أو المشاركة أو الإجارة, أما هل للهيئات الشرعية دور في طرح موضوع التورق أم لا؟ الواقع هناك شروط أو ضوابط وضعتها الهيئات الشرعية لضبط التورق تتمثل في:

ألا يكون هناك أداة ضرورية يستخدمها العميل, وعليه أن يلجأ إلى منتجات أخرى.
لا يتم الإعلان عن التورق حتى لا يقبل الناس عليه. رفع معدل الفائدة على التورق حتى لا يقبل الناس عليه. جعل التورق في يد المدير العام وليس الموظفين العاديين. دراسة الحالات دفعة واحدة, مع تقديم أدلة قطعية.

لكن هناك حالات لا يسدها إلا التورق, لذلك تتم دراسة هذه الحالات بكل دقة وللضرورة, لتوفير السيولة لسد حاجة الحالات المعنية, ومن ناحية أخرى طالبنا بأن تكون ميزانية التورق منخفضة جدا، وقد جلسنا مع أحد البنوك بحيث نجعل محفظة التورق لا تتجاوز 3 في المئة من مجمل محفظة البنك، لذلك هناك تدخلات من الهيئة الشرعية بهذا الخصوص.

المهم ما يجب قوله أن نضع التورق في شكلة الطبيعي هناك حاجات للتورق ولا نقول إن التورق واجب ولكنه جائز يمكن للبنك الأخذ به أو عدم الأخذ به.

نقطة أخرى هناك من يحملون المؤسسات المالية الإسلامية كل المشكلات المالية الحالية, بل كل المشكلات الإسلامية, فإذا كانت كل المؤسسات المالية الإسلامية تفعل كل شيء فإنني أتساءل: ما معنى وجود الدولة والحكومات والوزارات المعنية؟ هم يريدون أن نساهم في عملية التنمية ومن الواجب المساهمة في هذا الشأن. كذلك ما زالت المؤسسات المالية الإسلامية منذ 35 سنة حتى الآن وهي تعمل في غير بيئتها, فالأمر يحتاج إلى قوانين وتشريعات، أعطني قوانين تساهم في تعزيز عملية الاستثمار وفرص الاستثمار ثم بعد ذلك حاسبني، عندها أؤكد لكم أننا لا نقصر في هذا المجال، لكن للأسف لا توجد في دولنا حتى الآن قوانين تحمي المستثمر أو تهيئ فرص الاستثمار. هناك بعض الدول الإسلامية لا تعترف بالمصرفية الإسلامية وكذلك بعض دول الخليج، لذلك أقول كيف تطلب من المصرفية الإسلامية أن تساهم في التنمية في بلد لا يعترف حتى الآن بالمصرفية الإسلامية؟

وفي سؤال عن الهيكلية المالية الإسلامية, هل تعتقدون أن عمل المؤسسات المالية الإسلامية في بيئة تقليدية حد من إبداعها, وإلى أي مدى وصل الإبداع في المؤسسات المالية الإسلامية؟

للإجابة عن ذلك يقول عصام الطواري: أولا إن العمل المصرفي الإسلامي بشكل عام كونه حديثا نسبيا ويعمل في غير بيئته الطبيعية فهو بطبيعته خلاق، فالذي يجذبني في العمل المصرفي الإسلامي أنه في كل عملية تتم فإنك تنظر إليها على أنها تحمل في طياتها تحديا في الهيكلة، لذلك فإنك تنظر إليه على أنه عمل إبداعي في حد ذاته.

ثانيا: كل عملية عبارة عن تحد من جانبين: زيادة تكلفة التمويل, وأن الوقت المطلوب لإنجاز أية عملية خطوة بخطوة. لذلك يجب النظر إلى أن عمل (المصرفية التقليدية) له خمسمائة سنة، وعمل (المصرفية الإسلامية) ما زال في بداياته، وعليه فإن قواعد الهيكلة للمصرفية الإسلامية ما زالت في مراحلها الأولية وتتطور.

في عام 1975 كانت عبارة عن ندوات بسيطة وحسابات توفير واستثمار ومرابحة, اليوم هناك مؤسسات حديثة, أوراق مالية, منتجات متعددة وكبيرة جدا. هذا ابتكار وإبداع نتيجة جهد جبار في فترة قصيرة.

وفي الرد على سؤال: هل يجب أن يكون هناك سقف لعائد اجتماعي معين لمؤسسات المالية الإسلامية؟

أجاب الدكتور عبد الرحمن الشايجي: في البداية يجب أن تفرق بين النمو والتنمية، فالنمو واضح الزرع ينمو، أما التنمية فيجب أن تكون ضمن خطة توضع من خلال سياسة معينة لتحقيق أهداف هذه الخطة على مستوى المجتمع والدولة وليس على مستوى الفرد، فالفرد يطور نفسه, أما التنمية على مستوى المجتمع والدولة فيتعين وضع خطة وهدف لتحقيقة .. الدولة يجب أن يكون لها دور في عملية التنمية، ويجب تغلب العائد الاجتماعي على العائد المادي في أية مؤسسة مالية إسلامية.

كما أن الزكاة لتنمية المجتمع تفرض على الغني والقادر لمساعدة المساكين والفقراء. الإسلام لم يحدد لنا سقفا معينا لمساعدة الفقراء والمحتاجين، والمردود الاجتماعي للأسف الشديد إذا رأيت مؤسساتنا المالية في تنمية المجتمع سواء المساهمة في وضع استراتيجيات على الصعيد الاجتماعي أو التربوي أو الصحي لن نجد إنجازات رغم أن الشركة تسمي نفسها استثمارية عقارية مصرفية تأمينية وهي للأسف تسميات إسلامية, فلا توجد شركة واحدة ساهمت في بناء مدرسة أو مستشفى مثلا.

العائد الاجتماعي دائما لا بد أن يغلب على العائد المادي وهذا ما حثنا عليه ديننا الإسلامي, وللأسف إذا بحثنا لا نجد شركة واحدة ساهمت من الناحية الاجتماعية والتنموية, وأيضا لم تساهم من ناحية فكرة أو من ناحية مشروع.

ويضيف عصام الطواري قائلا في هذا الصدد: في الواقع هناك المؤسسات المالية الإسلامية التي ساهمت في كثير من القضايا الاجتماعية, فهناك مثلا صندوق التمويل الكويتي ساهم في علاج الإدمان، دار الاستثمار الكويتي ساهمت بـ 8.5 مليون دينار من الزكاة لتنمية الاستثمار، كذلك الصكوك تم توجيهها للبنى التحتية والتنمية المجتمعية, لكن تبقى قدرة هذه المؤسسات محدودة مقارنة بقوة الدولة.

فمثلا كم عمر المؤسسات المالية سواء التقليدية أو الإسلامية في العالم؟ 60 عاما تقريبا .. ما استطاعت أن تنهض بخطة التنمية مثلما يطرحها الشيخ أحمد الفهد الآن قيمتها 37 مليارا، فهذه الخطة التنموية التي قيمتها 37 مليارا لا شك أن القطاع الخاص يشارك في تنفيذها, فنحن نساهم في تمويل المشاريع لأن فيها خدمة للمجتمع, إضافة إلى خلق فرص عمل والقضاء على البطالة، لدينا إحدى الشركات في الكويت ساهمت في مشروع غسيل الكلى وأخرى ساهمت في معالجة السرطان, وكذلك في بعض المآسي التي تحدث في بعض الدول الإسلامية وزلزال باكستان, لكنها تبقى مساهمات قليلة, وعندما حدث تسونامي في إندونيسيا كم دفعت الدول العربية جميعها؟ لم يصل التبرع إلى أكثر من 100 مليون مقابل 23 مليارا دفعتها أمريكا لضحايا تسونامي.

لكن في النهاية يجب التأكيد على أن المؤسسات المالية الإسلامية مؤسسات ربحية لها عملاء ولها مساهمون يطالبون بالأرباح, وأعتقد أنه لا يعقل في نهاية السنة المالية ألا يجد المساهمون أو المودعون أرباحا لهم وأن مساهماتنا كلها في المشاريع والخدمات الخيرية والمساعدات الإنسانية.

لكن هل يمكن أن يكون للمؤسسات المالية دور تنموي من خلال الأرباح وليس على حساب رأس المال؟ فهم يقومون بمشاريع خيرية وهناك كذلك مشاريع تنموية تقوم بها شركات الهيكلة المالية أو البنوك الاستثمارية .. على ذلك يقول الدكتور عصام العنزي:

في البدايات إصدارات الصكوك كانت موجهة إلى قطاع الخدمات وكانت تتم من خلال مشاريع BOT من خلال التعاون بين القطاع الخاص والدولة, وبالتالي فإن مستخدمي ومستثمري هذه المشاريع يحصلون على عائد من خلال مشاريع الطرق والجسور بين المدن وكذلك الكهرباء ومشاريع الصيانة والبيئة, وهذا في صلب مقاصد الشريعة, أي إعمار الأرض وتنمية المجتمع. هذا دور القطاع الخاص بجانب دور الدولة ويجب أن نعيد النظر في فكرة نشر الثقافة الاستهلاكية.

أولا: نحن محكومون بمؤشرات وميزانيات يجب أن تقدم كل ثلاثة أشهر, بجانب خلق فرص لمزيد من الأرباح والضغط على الإدارات المالية، أما بخصوص التبرعات والمساعدات هناك ثقافة عامة في بعض الدول لتعاضد المساعدات.

ثانيا: النظام الغربي يدفع بالناس لدفع الضريبة كتبرع ويأخذ عليها خصما من الضرائب المفروضة عليه.

فنظام الدولة في الغرب يدفع في هذا الاتجاه بعكس ما هو حادث لدينا وهو متروك للأشخاص.

هل تعتقد أن التمويل الإسلامي لغير المسلمين سيؤدي للبعد عن المقاصد الإسلامية؟

قال الدكتور عبد الرحمن الشايجي: الواقع أولا أن التعامل في المؤسسات المالية الإسلامية غير مقصور على المسلمين فقط. ثانيا الانحراف موجود في الشركات التي تعمل وفق الشريعة الإسلامية ويديرها مسلمون في الصناعة المالية الإسلامية, وهي أكثر فائدة للمسلمين لعدة أسباب: أولا سيأتي ليتعلم منك, ثانيا لديه أخلاق فهو محكوم بقوانين سيحاول الانضباط أكثر منك، وأخيرا إن الذي يريد أن يعمل في الطريق الصحيح لديه هيئة شرعية, لذلك أرجو ولوج غير المسلمين في الصناعة المصرفية الإسلامية, فهم يمثلون قيمة مضافة للعمل المصرفي.

ثم قال الدكتور عصام العنزي: من خبرتي في بنك المؤسسة العربية المصرفية, كان الهم الأكبر أن تكون العمليات المصرفية منضبطة بشكل كبير عكس ما يحدث الآن.

هل واجهت صعوبات في العمل في الخارج في لندن بخصوص المقاصد الإسلامية؟

يجيب الدكتور عصام فيقول: عندما كنت أعمل في لندن هناك غير المسلمين يعملون في المصارف الإسلامية لديهم انضباط أكثر ولم يتصرفوا في أية معاملة دون أن تعرض علينا, وإذا اكتشفنا أنه أبرم عقدا دون أن يعرض علينا فإنهم يعتذرون ونلومهم. إن هناك قواعد مهمة تسير عليها كافة العقود، وللحقيقة ما أود التأكيد عليه أن لديهم خبرات مصرفية عالية ومتراكمة, وبالتالي عندما نجلس معهم نجد الإبداع، فهم يعرضون علينا منتجا جديدا ومن الشريعة الإسلامية من الألف إلى الياء، كذلك يحافظون على وظائفهم بالاطلاع والقراءة عن الإسلام والمنتجات الإسلامية.

وحول مدى نجاح المؤسسات المالية الإسلامية في خدمة الإسلام؟

قال الدكتور عصام: لا شك أن ما قامت به المؤسسات المالية الإسلامية يعد عملا جبارا, ويكفي أننا لم نقدم للعالم في العصر الحديث إلا هذا الاختراع ــ إذا صح القول ــ فقد حظي بقبول لدى العالم أجمع, ويكفينا أن البنوك التقليدية تتحول أغلبيتها الآن إلى المصرفية الإسلامية, وهذا تحول كبير.

ففي البدايات مثلا كان رأس المال في بيت التمويل الكويتي 10ملايين دينار, وقد استثمر في البداية مليونين وادخرنا 8 ملايين, وكانت البداية شقة من غرفتين وصالة الآن الوضع أصبح شيئا آخر. لا شك أن ما قامت به المصرفية الإسلامية شيء رائع, إلى جانب صدور القوانين الخاصة في عدة دول إسلامية, حيث صدرت قوانين خاصة بالمؤسسات المالية الإسلامية في الكويت وفي ماليزيا وفي إندونيسيا والبحرين وسوريا .. كلها قوانين تنظم المعاملات الإسلامية، أيضا العالم يدرس الآن مدى نجاح المصرفية الإسلامية، فمثلا بريطانيا الآن تعدل في شروط الضريبة لديهم حتى تستفيد المؤسسات المالية الإسلامية من هذا الأمر هناك. أعتقد أن المصرفية الإسلامية قطعت شوطا كبيرا, لكن ما زال هناك الكثير.

وفيما يتعلق بنجاح المؤسسات المالية الإسلامية في أداء دورها التنموي للمجتمع؟

يقول عصام الطواري: إن الطموح أن تكون هناك تنمية للعقود حتى تساهم في عملية التنمية، وما نطمح إليه أن تصل نسبة العمل المصرفي الإسلامي في مجتمعاتنا إلى 50 في المائة. أعتقد أنه هدف ليس بعيد المنال، وكذلك نطمح إلى أن تكون هناك مراجعة للبيئة التشريعية وكوادر بشرية مؤهلة للعمل المصرفي الإسلامي، وأن يكون لدينا معاهد وجامعات تخرج كوادر علمية وفنية في العمل المصرفي الإسلامي، كذلك نضع ميثاقا لضبط أخلاقيات المهنة, فالعمل المصرفي مرتبط بأخلاقيات الإنسان وضميره في العمل, وأن يكون لديه وازع ديني لحفظ أمانات الناس وأن تكون هناك شفافية في العمل. أيضا يجب أن نأخذ دروسا وعبرا مما حدث في الأزمة المالية العالمية للاستفادة منها في المستقبل، كذلك علينا في المصرفية الإسلامية رغم أننا لم نتضرر كثيرا من الأزمة العالمية إلا أنه يجب العمل على إرساء الأسس السليمة للممارسات المالية الإسلامية, وأن تكون هناك مراجعة مستمرة للنفس بشكل دقيق لتحقيق التنمية لمجتمعاتنا وللبشرية جمعاء.