الخميس 19-07-31 هـ. الموافق 01 يوليو 2010 العدد 15  
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل شهر . عودة لعدد الشهر

طباعة حفظ علق ارسل لصديق

غياب الاستراتيجية .. تحديات أمام المصرفية الإسلامية


د. يوسف عبدالله الزامل

لا يمكن لأي وحدة اقتصادية أو قطاع اقتصادي أن يحقق نجاحاً يذكر مع ضعف أو فقدان الاستراتيجية .. فكيف يمكن أن يحقق الفرد أو المنشأة النجاح بلا أهداف واضحة أو في ظل عدم وجود هدف بعيد تخدمه الأهداف القصيرة الأجل والمتوسطة؟؟ وهل يمكن أن يتواصل تقدم المسيرة لأي وحدة اقتصادية دون أن يسترشد بمؤشرات يستعان بها على الاستمرار لتصويب المسيرة على الطريق .. كل الناجحين من الأفراد والدول يتميزون بالاستراتيجيات الواضحة والخطط المتكاملة .. كل النجاح في الدين والدنيا يقوم على رؤى ومناهج محددة .. الرسالات السماوية تبنى على عقائد بينة ومناهج منيرة .. الشركات الكبرى والبنوك الناجحة تكون لها فلسفات ورؤى تتحدد من خلالها استراتيجياتها..

الاستراتيجية هي الطريقة التي تتحرك بها وتسير عليها فعاليات أي وحدة اقتصادية (فرد، منشأة، قطاع، أو دولة) لتعكس طبيعتها الخاصة .. وكل وحدة اقتصادية لا بد أنها تتحرك وتسير، ولكن البون قد يكون شاسعاً بين سير وحدة وأخرى سواء كان في سرعة سيرها أو اتجاهه أو نوعيته أو غير ذلك، ويعود السر في الاختلافات المتباينة في الحركة والسير إلى اختلاف الاستراتيجيات وجوداً وعدماً وقوةً وضعفاً ووضوحاً وغموضاً .. وتتكون الاستراتيجية من خمسة مكونات هي الأهداف البعيدة والمتوسطة والقصيرة (التشغيلية) والأدوات والمؤشرات .. وكل من هذه المكونات لا بد أن تكون واضحة ومحددة ومناسبة، ثم لا بد أن يكون كل منها مترابطاً بشكل كاف .. يضاف إلى ذلك أن الاستراتيجية يجب أن تحدث بشكل دوري مستمر...

وتعاني معظم الوحدات الاقتصادية من نقص أو ضعف أو فقدان الاستراتيجية حتى في أكثر الدول تقدماً .. ولكن الأزمات مع ضعف وفقدان الاستراتيجية تكاد تكون خانقة ومدمرة في الدول النامية (المتخلفة) .. ولعلنا نضرب أمثلة على المعاناة مع الاستراتيجية، ففي البنك المركزي الأمريكي هناك فصول طويلة من أنواع الضعف والازدواجية والتردد في الأهداف عبر تاريخ البنك المركزي لأكبر وأقوى دولة في العالم .. وأما في الدول النامية فقد لا يعلم كثير من المنشآت العامة معنى الاستراتيجية فضلا عن معرفة أفضل استراتيجية تصلح لخدمة أهدافها .. ومن ذلك أن أحد كبار البنوك المركزية الخليجية لم يستطع أحد الباحثين الوصول إلى أي مصدر ينبئ عن استراتيجيته، مما اضطره إلى استقراء استراتيجيته من الممارسات والإجراءات التي يتخذها، فوجد أن لا استراتيجية له عدا المحافظة على وضع ساكن، فلا يتخذ تغييرات أساسية إلا بالمحاكاة الكاملة لسياسات البنك المركزي الأمريكي ..

وقد أدى فقدان الاستراتيجية في معظم البنوك المركزية للدول المسلمة إلى خلق بيئة عدم الاستراتيجية في عامة قطاعات السوق المصرفية والائتمانية؛ ومن ذلك قطاع المصرفية الإسلامية الحديث النشأة .. هذا القطاع جاء إلى السوق البنكية من باب فرض الأمر الواقع من خلال تعطش جماهير المسلمين إلى مؤسسات بنكية تتحرى القيم الإسلامية وتسعى إليها، ولم يكن للبنوك المركزية أي دور في ابتكارها أو تشجيعها أو تنظيمها، فضلا عن رسم استراتيجية لقطاعها.. بل أدى تشدد معظم البنوك المركزية في تقديس التمسك بأصول المصرفية التقليدية (الغربية) إلى إعاقة وتثبيط مثل هذه المبادرات الوطنية ذات الصبغة الثقافية الإسلامية ومحاولة تهميشها والتقليل من حجمها وجدواها والتخوف من مخاطرها الائتمانية، حتى أن بعض مديري المصرفية الإسلامية في أحد البنوك التقليدية اضطروا إلى تجنب تسميتها بـ "الإسلامية" تحسباً لحساسية البنك المركزي وربما بتوجيه مباشر أو نصيحة من مسؤوليه..

وقد أدت هذه الظروف التي جمعت بين بيئة عدم الاستراتيجية وعدم التشجيع وحداثة النشأة إلى بقاء القطاع المصرفي الإسلامي بعيداً عن اتباع أي "استراتيجية"، وبالتالي النمو والتطور بلا استراتيجية، ومن ثم تعايش كثير من أمور القطاع المصرفي الإسلامي مع العشوائية .. فما نما من مؤسسات ومنتجات إنما صممت لبيئة تجارية قصيرة المدى، فلذلك جاءت منتجاتها مؤسساتها بجودة منخفضة وأصالة متدنية جعلتها تتعرض للانتقادات وتتعرض إلى كثير من المخاطر ولا تقدم للاقتصاد والتنمية أكثر مما تقدمه المصرفية التقليدية.

وكي تتطور المصرفية الإسلامية في منتجاتها ومؤسساتها وخدماتها، لا بد لها أن تأخذ بمبدأ الاستراتيجية التي تركز على الأهداف طويلة الأجل والتي تركز على "مقاصد الشريعة"، وأن تبتعد تدريجيا عن المنتجات الصورية غير الأصيلة المترجمة للقواعد الثابتة في الاقتصاد والتمويل الإسلامي .. وليتم ذلك لا بد أن تنهض البنوك المركزية بأدوارها الإيجابية لدعم الأنظمة واللوائح البنكية الإسلامية مع إنشاء إدارات للمصرفية الإسلامية داخل أجهزتها بالتعاون مع الهيئات المتخصصة في تطوير شؤون المصرفية الإسلامية في البحرين وماليزيا.

عدد القراءات: 456
طباعة حفظ علق ارسل لصديق

لا يوجد تعليقات

نحن نتوخى نشر جميع الردود دون أي تدخل. وأي تعديلات تجري على الردود تهدف إلى الارتقاء بالحوار، وعدم الخروج عن الموضوع، أو المساس بأي شخص أو جهة بشكل غير لائق ويتنافى مع الموضوعية، ومع المكانة التي تتمتع بها المصرفية الإسلامية.
الاسم
البريد الالكتروني
تعليق
اسم المرسل بريد المرسل
بريد المستقبل (يمكن اضافة اكثر من عنوان بريدي، مفصولة في ما بينها بمسافة او فاصلة)
تعليق